أبي نعيم الأصبهاني

139

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

تجمع في يومك ما يكفيك أيامك ، هيهات كثر الشعل وزاد الحزن وعظم التعب وأضاع العبد العمل بالأمل . ولو أن الأمل في غدك خرج من قلبك أحسنت اليوم في عملك ، واقتصرت لهم يومك ، غير أن الأمل منك في الغد دعاك إلى التفريط ، ودعاك إلى المزيد في الطلب ، ولئن شئت واقتصرت لأصفن لك الدنيا ساعة بين ساعتين ، ساعة ماضية ، وساعة آتية ، وساعة أنت فيها . فاما الماضية والباقية فليس تجد لراحتهما لذة ، ولا لبلائهما ألما . وإنما الدنيا ساعة أنت فيها فخدعتك تلك الساعة عن الجنة وصيرتك إلى النار ، وإنما اليوم إن عقلت ضيف . نزل بك وهو مرتحل عنك ، فان أحسنت نزله وقراه شهد لك وأثنى عليك بذلك وصدق فيك ، وإن أسأت ضيافته ولم تحسن قراءة جال في عينيك وهما يومان بمنزلة الأخوين نزل بك أحدهما فأسأت اليه ولم تحسن قراه فيما بينك وبينه ، فجاءك الآخر بعده فقال إني قد جئتك بعد أخي فإن إحسانك إلى يمحو إساءتك اليه ، ويغفر لك ما صنعت فدونك إذ نزلت بك وجئتك بعد أخي المرتحل عنك فلقد ظفرت بخلف منه إن عقلت ، فدارك ما قد أضعت . وإن ألحقت الآخر بالأول فما أخلقك إن تهلك بشهادتهما عليك . إن الذي بقي من العمر لا ثمن له ولا عدل ، فلو جمعت الدنيا كلها ما عدلت يوما بقي من عمر صاحبه ، فلا تبع اليوم ولا تعدله من الدنيا بغير ثمنه ، ولا يكونن المقبور أعظم تعظيما لما في يديك منك وهو لك ، فلعمري لو أن مدفونا في قبره قيل له هذه الدنيا أولها إلى آخرها تجعلها لولدك من بعدك يتنعمون فيها من ورائك ، فقد كنت وليس لك هم غيرهم ، أحب إليك أم يوم تترك فيه تعمل لنفسك لاختار ذلك ، وما كان ليجمع مع اليوم شيئا إلا اختار اليوم عليه رغبة فيه وتعظيما له ، بل لو اقتصر على ساعة خيرها وما بين أضعاف ما وصفت لك وأضعافه [ يكون لسواه إلا اختار الساعة لنفسه على أضعاف ذلك يكون لغيره بل لو اقتصر على كلمة يقولها تكتب له وبين ما وصفت لك وأضعافه ] لاختار الكلمة الواحدة عليه ، فانتقد اليوم لنفسك وأبصر الساعة وأعظم الكلمة واحذر الحسرة عند نزول السكرة ، ولا تأمن أن تكون لهذا الكلام حجة نفعنا اللّه وإياك بالموعظة ، ورزقنا وإياك